مجموعة مؤلفين

85

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

فالأمر من عند الفلاسفة في الصفات كما صرح به ابن سينا فقال : إن إرادته ليست مغايرة الذات لعلمه ، ولا مغايرة المفهوم لعلمه ، ولو كان الأمر لا كذلك لما احتاجوا إلى إثبات الاعتبارات في العقل الأول الذي صدر عنه بكل واحد منها موجود ، بل كان يكفيهم في الواجب لهذا المطلب ما هو مغاير له بحسب المفهوم ، ولولا أن مذهبهم الاتحاد بحسب المفهوم لما أورد عليهم أن الحمل لا فائدة له إذ لو كان مفهوم كونه عالما حيّا قادرا نفس ذاته لم يفد حملها على ذاته ، وكان قولنا على طريقة الإخبار : اللّه الواجب ، أو العالم ، أو القادر ، أو الحي إلى سائر الصفات بمثابة حمل الشيء على نفسه ، واللازم باطل ؛ لأن حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة بخلاف قولنا ذاته ذاته ، ومرجع كلامهم إلى نفي الصفات ، وحصول ثمراتها ونتائجها للذات . وذهبت الصوفية : إلى أن الصفات نسب ، وإضافات للذات متحملة بها في الوجود الخارجي بمعنى أنه لا موجود في الخارج إلا الذات ، لا أن هناك ذاتا وصفة ، وهما متحدان حقيقة مغايرة لهذا الوجود الذهني ، بمعنى أن مفهومها غير مفهومهما فهي زائدة عليها فيه قطعا ، وهي مأخذ الاشتقاق ، وهذا المذهب غير مذهب الأشاعرة ، وخلاف مذهب الفلاسفة وهو وسط بينهما ، سليم مما يرد عليهما من الاعتراضات المذكورة في محالها ، وإلى هذا المذهب ذهب الإمام الرازي رضى اللّه عنه قال في « المطالب العالية » : أهم المهمات في هذه المسألة البحث عن محل الخلاف ، فمن المتكلمين من زعم أن العلم صفة قائمة بذات العالم ، ولها تعلق بالمعلوم . وهناك أمور ثلاثة : الذات ، والصفة والتعليق . وأما نحن فلا نثبت إلا أمرين : الذات والنسبة بالعالمية ، وندعي أنها أمر زائد على الذات موجود فيه للقطع ، أن المفهوم من هذه النسبة ليس هو المفهوم من الذات ،